سيف الدين الآمدي

388

أبكار الأفكار في أصول الدين

المسلك الأول « 1 » . وكذلك قد يشتد صفا نفس بعض الناس بحيث يقرب اتصالها بالعقول والنفوس العلوية ، بحيث يطلع على الأشياء الغيبية من غير واسطة ، ولا بعلم ؛ فيسمع من الأصوات ويرى من الصور ما لا يسمعه ، ولا يراه من ليس من أهل منزلته من البشر على نحو ما يسمعه ويراه النائم في منامه ؛ فيكون حاله إذ ذاك نازلة منزلة ما لو أوحى الله : بأن الأمر الفلاني كذا ، وكذا ؛ ولا منازعة في الإطلاقات بعد فهم المعنى . سلمنا أنه لا بدّ من ثبوت صفة نفسانية ؛ ولكن ذلك لا يسمى كلاما ؛ إذ الكلام في اللغة : عبارة عن الأصوات ، المقطعة ، المنتظمة ، الدالة بالوضع دلالة مفيدة - وبتقدير أن يسمى ذلك كلاما ؛ فالمعقول من الصفات النفسانية غير خارج عن القدرة ، والإرادة ، والتميز الحاصل للنفس الحيوانية بالحواس الباطنة ؛ وذلك كما تتصوره القوة الخيالية من شكل الفرس عن شكل الحمار ، ونحوه . وما تتصوره القوة الوهمية من المعنى الّذي يوجب للشاة نفرتها من الذئب ، ونحوه . والتميز الحاصل للنفس الناطقة الإنسانية بالقوة النظرية التي بها إدراك الأمور الكلية بالفكرة ، والروية : وذلك كتصورنا معنى الإنسان من حيث هو إنسان ، وحكمنا عليه بأنه حيوان ونحوه « 2 » - فإن أريد به القدرة ، أو الإرادة ؛ فذلك غير خارج عما سبق إثباته من الصفات . وإن أريد به التمييز ، والتصور الحاصل للنفس الحيوانية « 3 » ، والإنسانية « 3 » ؛ فذلك أيضا غير خارج عن قبيل العلوم . كيف : وأنه بتقدير أن يراد به التميز الحاصل بالحواس الباطنة ؛ فإن إدراكها لذلك لا يكون إلا بانطباع الصور المحسوسة أولا ، في إحدى الحواس الظاهرة الخمس ، ثم بتوسطها في الحس المشترك : وهي القوة المترتبة في مقدم التجويف الأول من الدماغ على نحو انطباع الصور في الأجرام الثقيلة المتقابلة ، ثم بتوسطها / في المفكرة ، ثم في الوهمية ، ثم في الحافظة « 4 » . وبعض هذه القوى وإن لم يفتقر في الانطباع إلى حضور المادة : كالحس المشترك ، والمفكرة ، والوهمية ، والحافظة ؛ فهي لا تنفك في الانطباع

--> ( 1 ) انظر ل 83 / أ . ( 2 ) في ب ( ناطق ) . ( 3 ) في ب ( الإنسانية والحيوانية ) . ( 4 ) قارن ما أورده هنا بما أورده في غاية المرام ص 92 ، 93 والمبين ل 12 / ب .